الشيخ محمد الصادقي

79

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

مسجد بكل الوجوه ، ظاهرة وباطنة ، ثم « وادعوه » : اللّه - عند كل مسجد « مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » : الطاعة والعبادة ، دون إشراك به في وجه من الوجوه ومنها الرئاء ، فإنه تعالى « كَما بَدَأَكُمْ » لا سواه « تعودون » إليه لا سواه ، ويا لها من لقطة واحدة عجيبة ، قفزة تجمع بين نقطة البدء في الرحلة الكبرى ، ونقطة الانطلاق والنهاية . ثم لأن « كل مسجد » تشمل مربع : السجدة ، بزمانها ، ومكانها واتجاهها ، فالأمر - إذا - يحلق عليها كلها ، مما يلمح صارحة برجاحة أم فرض الصلاة في المساجد ، ومكية الآية - زعم أن الكعبة في العهد المكي لم يكن قبله بعد ، ولم تكن في مكة مساجد آنذاك - لا تمنع عن الأمر لأداء الصلاة في المساجد ، حيث الكعبة المباركة كانت هي القبلة في العهد المكي كما المدني إلّا شطرا قليلا في ثاني العهدين « 1 » ثم كلّ مكان متخذ للصلاة مسجد لمتخذه وإن لم يكن مسجدا عاما ، وكما أمرنا أن نخصص أمكنة خاصة في بيوتنا للصلاة ، وذلك عند إعواز المساجد الرسمية أم عسر الوصول إليها ، ثم الآية المكية ليست لتحصر حكمها بالعهد المكي ، كما المدنية لا تخص المدنيين ، فالقرآن ككلّ شرعة عالمية تتخطى حواجز الزمان والمكان ، مهما كان المخاطبون الأولون المكيين والمدنيين : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . وفي رجعة تفصيلية إلى ذلك المقطع اللّامع من لوامع الآية نتساءل : هل المشابهة هنا بين البدء والعود واقع ؟ والبدء ولادة من الأرحام ابتداء « بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ » والعود لا يعرف صلبا ولا رحما ولا أية ولادة ! . إنه في وجه المشابهة تشابه بين بدء الإنسان الأول حيث بدأنا به ، وبين العود ككلّ ، فكما خلقنا اللّه أول مرة من تراب ، كذلك يعيدنا من تراب « وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » مرة أخرى . وبوجه ثان « كما بدأكم » إنشاء من تراب كالإنسان الأوّل ، أم انتشاء الأنسال كسائر الإنسان ، ولم يعي بذلك الخلق الأول ، كذلك « تعودون »

--> ( 1 ) . لمعرفة التفصيل راجع البقرة على ضوء آيات القبلة .